في الفترة الأخيرة من حياتي، أعني آخر سنتين تقريبًا،
أدركت أنني أُحمّل الوصول عبء الرحلة المتعبة، رغم أنه لا ينبغي أن تكون كذلك، لا ينبغي للوصول أن يرمم تعب الرحلة المؤذية، قد تكون متعبة، مرهقة، لكن مؤذية؟ لماذا؟
للأذى أشكالًا عديدة، أحدها أن يكون وصولك إلى هدفك يضرّ بك بشكل مباشر على المدى البعيد، مثل مريض سرطان، يريد الوصول إلى كلية التأهيل، تخصص علاج طبيعي، للسرطان نهايتان، إما شفاء أو وفاة، ولكن في المنتصف معاناة قد تكون طويلة، فمريض السرطان لا يقوى على التمارين التي يدرسونها في كلية التأهيل، فكيف سيتعلم؟ أيترك السرطان يتغذى على جسده ويعاند جسده ويصر على التعلم رغم أنه سيتفتت من الألم؟
سنوات الدراسة الجامعية متعبة، مرهقة، في لحظات كثيرة ستبكي، في لحظات أكثر قد يصاحبك الشك مثل ظلك، هل أنا في المكان الصحيح أم أني اخطأت الاختيار، في لحظات ستكون أنت النصير الوحيد فيها لنفسك، أفبشكك تكون أنت والحياة ضدك؟ هذه التقلبات المزاجية طبيعية جانب ضغط الدراسة، ولكنك ستحظى بلا شك بأيام سعيدة، تلك الأيام التي تظهر بها درجات الاختبارات مثلًا وتلمح علامة كاملة، شيء يستحق الاحتفال، في الحقيقة، أنت من صنعت هذه الفرحة باجتهادك ..
في أيام أخرى، ستقرر بدء يومك مبكرًا أكثر عن المعتاد، تستيقظ في الخامسة صباحًا، تؤدي صلاة الفجر، تتأمل السماء، وتراقب شروق الشمس وتسمع العصافير، تُعِد قهوتك، أو ربما شاي، وتنطلق إلى جامعتك وتصل قبل المحاضرة بساعة أو ربما نصفها، تقرر أن تقضيها بالمشي في الهواء الطلق، وظلال الأشجار تمشي معك، بل تحفّك، وتكمل يومك كما اعتدت أن يكون، أليست بداية كهذه للصباح تمدك بطاقة ليوم مرهق؟ في أيام أخرى، ستسهر حتى الثالثة بعد منتصف الليل، وتستيقظ متأخرًا، على موعد محاضرتك ربما وربما قبلها بعشر دقائق، تستعجل الاستعداد والذهاب ورغم ذلك تعلق في زحمة السير ويتعكر مزاجك، لكنك ستلحق في النهاية نصف المحاضرة الأولى أو بقية المحاضرات التي في جدولك، ولا طاقة لك للتركيز لسبب صغير، لم تنم جيدًا، لا تُلام، فالمنهج طويل يحتاج إلى استعداد مكثف وتضحية بالنوم قليلًا ..
تقلبات الأيام بين مرهقة وعادية وسعيدة تقلبات طبيعية، لكن سيرها على وتيرة الإرهاق الذي يصاحبه تعب نفسي، ولا تتخلل المذاكرة راحة خالية من القلق، ولا تصاحب السنة إجازة تخرج فيها إلى البحر أو للقاء صديق مفضل، أو حتى جلسة عائلية في سطح منزلك، أن تغرق كلك في المذاكرة كي تحقق رغبتك، أن تحترق من أجل علامات عالية ولا تحدث، لأنك قَلِقٌ مثل شجرة أوقدوا نارًا بجوارها، أو مُحطّم مثل طائرة ورقية كلما أرادت الطيران توقفت الرياح، أو وحيد مثل ظل شجرة، تتظاهر بالثبات مثل جذعها، لكنك لست كذلك، في سنة كهذه أتظن أن الوصول سيرممك؟
يرمم ماذا ويترك ماذا، شعرك الذي تساقط وأصبح قليل جدًا، أم شحوب وجهك ونسيانك حتى للطعام، أم ربما اكتشافك المفاجئ بأنك وصلت إلى الخطة ب بينما كنت تريد الخطة أ وستحتاج إلى محاولة أخرى !
تجد نفسك في نهاية الأمر تريد أن تحاول مرة أخرى وتدرك أنك اخطأت بحق نفسك، لكنك في قرارة نفسك تعرف أنك أخيرًا أصبت شيئًا واحدًا، محاولة أخرى لأنك لا تريد سوى تلك الغاية، بطريقة ما تظن أن غايتك هي السعادة الوحيدة التي يمكنك الحصول عليها، بينما هناك سعادات صغيرة مختبئة لم تعثر عليها، وهناك سعادات تحتاج أن تتحرك باتجاهها، لكنك مشغولٌ بجعل الرحلة مرهقة، ولا تطلب المساعدة !، مساعدة قبل أن يحوّلك السعي إلى رماد، مساعدة من منبّهِ هاتفك ليذكرك بالأكل قبل أن تصير شيء من العدم، أو حتى مساعدة ورقة تتيح لك كتابة عليها ما يدور في عقلك، فقد أنهكك التفكير لكنك لم تلاحظ سوى بعد انتهاء المحطة الأولى بفشل ذريع، لكنك تريد نفسًا جديدة، نظيفة من السوء، خفيفة من الألم، وتقضي إجازتك محاولًا تزيل الأذى الذي ألحقته بنفسك، تستسلم في نهاية المطاف وتقرر ملازمة السرير حتى تنتهي الإجازة، وفي نهايتها تكتشف أن راحة السرير، والبكاء الذي بكيته، كان مجديًا، وأنت على مقربة من المحاولة الثانية، وقد تنجح ..
تمضي الرحلة وأنت تتعرف على وجه المذاكرة الجديد، الراحة المملوءة بالرضا بدلًا من القلق، السعادات المكتظة في كل التفاصيل بدلًا من سعادة واحدة قائمة على وصولك لمعدلٍ ما، قلبك الممتن، وعيونك التي تلمع كلما رأت الحلم، كلها أشياء جديدة عليك، ستمضي سنة من عمرك سعيًا للتعلم الفعّال، وسعيًا للتعرف على الذات، وسعيًا مهما كان متعبًا فإنه لا يجرح الروح، ولا يطوي المشاعر الطيبة التي تغمرك في كثير من الأحيان
هل لذة الوصول سترممك؟
لا، إنها لا تفعل. المعاناة النفسية ستظل تطحن قلبك حتى ترممها أنت. فاجتهد كثيرًا، واسترح قليلًا، وكن عطوفًا، وتذكر، في الحياةِ أبواب كثيرة، واحدٌ منها هو الدراسة، فلا تحمل الرحلة من العبء الكثير، وتريّث، واستمتع، وعالج جروحك مثلما تعالج جرح صديق عزيز، وامضِ قدمًا، لا بأس بالفشل، إنه معلم رائع في كثيرٍ من الأحيان.
كتابة : ريم البلاوي تحرير: نوف النهدي تصميم : اسراء متولي