"في عشريناتك ستكون هشًا، ستُحِب وينفطر قلبك، ستسقط وستنهض، ستتعلم وستلاحظ الكثير من المواقف والأشياء، ستضحك بصوتٍ عالٍ وستبكي بصمتٍ وحيدًا، سيكون هناك الكثير من الناس حولك، ولكنك ستشعر في الوقت نفسه أن لا أحد موجود، حينها ستغدو أخيرًا بطريقة مثالية الإنسان الذي يفترض أن تكونه، ستصبح أفضل ما ينبغي لك، وما أردتَ دومًا أن تكون ."-سابريت سالوجا
أحب هذا الاقتباس، وأحببت أن ابدأ مدونة الأسبوع به لأنه بطريقة أو بأخرى يمس عنوانها بشكل مباشر، ولأجيب بشكل قصير على السؤال، لن نصل إلى أقصى قدراتنا بلا خوض في تجارب فشل أحدها أمر محتم، وهو ما يشير إليه صلب الاقتباس السابق، سأتحدث عن تجربة الفشل، وكيف غيرني، ماهي العقلية التي توصلت إليها في نهاية أضخم تجربة فشلت في نهايتها وهل كانت حقًا ذات جدوى
أنا ريم، طالبة طب بعد عدد من التجارب الفاشلة للوصول إلى هذا الحلم، بعد تخرجي من الثانوية العامة كان الطريق واضحًا أمامي وليس لديّ طموح أكبر من كلية الطب، كانت المفاجأة بعد نهاية أول سنة لي في الجامعة، تعثرت في مادة واستبعدت من المسار الصحي تمامًا، وأنا بنظرتي البريئة والحالمة للعالم تعثرت مع تلك المادة شهور متتالية، قررت الانسحاب، وبالفعل هذا ما فعلته، انسحبت من الجامعة بعد معرفتي بقبولي في كلية أعرف بالتأكيد أنها ليست الحلم، لازمت سريري ما يقارب شهرين، وبكيت كثيرًا، لطالما كنت فتاة حالمة، كيف تعثرت، ما الخطأ الذي ارتكبته وتعمقت بالتفكير حتى وجدت ضالتي في نفسي، ومن هنا تبدأ قصة جديدة .
أحضرت ورقة وقلم، وهكذا كنت أحل أكبر مشاكل حياتي، كتبت أخطائي جملة وتفصيلًا ، كيف ذاكرت، أسباب تعثري من وجهة نظري كاملة، وحيال هذا كنت مستمرة بلوم نفسي بأني لم أبذل قصارى جهدي، بعدما انتهيت كتبت في الجهة المقابلة في الورقة كيف يمكنني تفادي أخطائي في المرة القادمة، فتشت عن تدوينات/ فيديوات عن تجارب من سبقوني في الحصول على قبول في كلية الطب، وهكذا انتهيت من الكتابة، وفتحت تقديم الجامعة وقدمت مرة أخرى بمحاولة أخرى لعلها تكلل بالنجاح.
الدرس الأول: التفكير في أخطائي وكيف أصلحها وضّح لي الطريق بشكل أفضل، لكني مازلت محبطة ويؤلمني هذا الفشل، وخائفة جدًا مما سيأتي.
أثناء رحلة البحث عن تجارب الناس، صادفني فيديو عن شخص يتحدث عن سر الدعاء في يوم عرفة، وأنا لم أكن على قدر من المعرفة الحقيقية التي تصلني بالله، فبحثت أكثر وأكثر حتى عرفت لله طريق لم أكن لأعرفه في حياتي لولا هذه التجربة، فصرت أتوكل عليه، أذكره صباحًا ومساء، ولا أنسى الدعاء أبدًا بحلم الطب.
الدرس الثاني: لعل صلتي بالله في تلك المرحلة جعلتني أكثر قوة وأقل هشاشة نفسية ! وفي قول ابن القيم : "إن الله يعطي الذاكر اكثر مما يعطي السائل، فأكثروا من ذكر الله؛ لأن السائل يسأل وقت الحاجة، أما الذاكر دائمًا مع الله."، فصارت هذه المقولة قاعدة في حياتي.
صدر قبول الجامعة، وقُبِلت في المسار الصحي مرة أخرى، وكانت فرحة غامرة بقلق أكبر من السابق، ولكني هنا بوعي المجرب الذي يعرف كيف ستسير الأمور، سيكون الأمر أقل تعقيد من السابق.
الدرس الثالث: إن شعرت أنك لا تنتمي سوى هناك في مكان ما، فلا تستلم حتى تستنفذ جميع محاولاتك. لا بأس بالفشل لأنك ستخرج منه بدروس تخدم تجربتك الجديدة، إنه خير معلم.
مرت السنة، وقُبِلت في كلية الطب، هل انتهت الحكاية؟ كلا، للتو تبدأ، حققت الحلم الأكبر، ماذا بعد؟ أحتاج الكثير من المهارات التي فقدتها خلال الطريق الذي بنهايته وصلت لكلية الطب، أحتاج استعادة ثقتي بنفسي، التعامل مع التوتر والقلق المفرط، إيجاد التوازن بعد سنة لم أفعل فيها شيء سوى المذاكرة، فالخطوة القادمة هي التركيز على مهارات حياتية مهمة فقدتها تمامًا.
الدرس الرابع: الرحلة لا تنتهي بالوصول إلى الهدف، بل هي أبعد من ذلك، وعند كل وصول تُعَبأ فجوات وتظهر فجوات أخرى، وهذه هي طبيعة الحياة.
الفجوات التي ظهرت بعد الوصول إلى كلية الطب هي مشاكل حقيقية يجب علاجها ! وبطبيعتي شخص قارئ، حولت قراءاتي ذلك الوقت إلى كيف أبني ثقتي بنفسي، التعامل مع المشاكل والكثير من المهارات، ووجدت أن القراءة لا تكفي، والتجربة وحدها أيضًا لا تكفي.
الدرس الخامس: القراءة تعطيك بعد للتفكير، والتجربة تعطيك بُعد لاختبار تقدمك، فاقرأ في مواطن ضعفك، وجرّب كي تختبر نموك وتطورك.
ماذا أُجرِّب؟ سؤال مثير للاهتمام، جرب ما ترغب، ما تعتقد أنه سيعجبك، وجرب ما تعتقد أنك تكرهه لأنك لن تجزم بالحب والكره حتى تجرب، جرب خوض نقاشات مع غرباء، جرّب التعبير عن رأيك، جرّب هواية جديدة، جرّب المشي وحيدًا، المشي مع غرباء، جرّب الالتزام، والتجارب تتعدد ولا تنتهي، المهم أن تجرب. وفي الطريق قد تكتشف رسالتك في الحياة مثلما حدث لي، فأوصيك أن تزكّيها بتقديم نفعها إلى الناس.
وأخيرًا، أتمنى لكم رحلات قيّمة وممتعة وأحلام محققة، وحياة مليئة بالحياة. دمتم بود.
كتابة: ريم البلادي ، تصميم: إسراء متولي